الصالحي الشامي

278

سبل الهدى والرشاد

الرجلين ، فقم إلي يا علي ، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده ، فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وفعل أبي بكر وعمر ؟ فقال : اللهم لا ، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ، فأرسل يده ، وقال : قم يا عثمان ، فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال : اللهم اسمع واشهد ، اللهم اسمع واشهد ، اللهم اسمع واشهد ، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان ، وازدحم الناس يبايعون عثمان وبايعه علي بن أبي طالب أولا ، ويقال آخرا ، هذا الذي يجب الاعتماد إليه ، وأما ما هو مسطور في كتب المؤرخين وأرباب السير فلا يعرج عليه ، ثم إن عثمان - رضي الله تعالى عنه - لما بويع رقي إلى منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر أو قبل الزوال يومئذ وعبد الرحمن جالس في رأس المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقال : أيها الناس : إنكم في بقية آجالكم ، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه ، ولا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا يغرنكم بالله الغرور ، واعتبروا بمن مضى من القرون وانقضى ثم جدوا ولا تغفلوا أين أبناء الدنيا واخوانها ؟ أين الذين شيدوها وعمروها وتمتعوا بها طويلا ؟ ألم تلفظهم ؟ ارموا بالدنيا حيث رمي الله عز وجل ، واطلبوا الآخرة حيث رغب الله - عز وجل - فيها ، فإن الله - سبحانه وتعالى - قد ضرب لكل مثلا ، فقال سبحانه وتعالى : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا ) [ الكهف 45 ] . وفي لفظ : لما بويع له خرج إلى الناس فخطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، اتقوا الله ، فإن تقوى الله غنم ، وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، وفي خطبة أخرى : قال ابن آدم اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك لم يزل يخلفك ويتخطاك إلى غيرك منذ أتيت في الدنيا ، وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك فخذ حذرك واستعد له ولا تغفل ، فإنه لا يغفل عنك ، واعلم أنك إن غفلت عن نفسك ولم تستعد فلا بد من لقاء الله ، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك ، والسلام . وفي أخرى : إن الله أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ، ولم يعطيكموها لتركنوا إليها ، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى ، لا تشتغلوا بالفانية عن الباقية وآثروا ما يبقى على ما يفنى ، فإن الدنيا منقطعة ، وإن المصير إلى الله ، واتقوا الله فإن تقواه جنة من عذابه ووسيلة عنده ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا . الثالث : في استحياء النبي - صلى الله عليه وسلم - منه . روى الإمام أحمد يحيى بن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة - رضي الله تعالى